التخطي إلى المحتوى الرئيسي

همس معلم من قلب الميدان

  في كل مهنة هناك من يؤدي عمله، لكن في التعليم هناك من يصنع أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تنتهي الحصة وتُطوى صفحات الكتب. ومن واقع عملي معلمًا، وما مررت به من مواقف تربوية شكّلت الكثير من قناعاتي، أردت أن أخلق مساحة أهمس فيها إلى زملائي المعلمين ببعض تلك المواقف التي عشتها، والدروس التي تعلمتها منها، وأشاركهم تأملاتي وما آمنت به من قيم ومبادئ، بعيدًا عن التنظير، وبأسلوب قريب من واقع كل معلم يعيش تفاصيل هذه الرسالة يومًا بعد يوم . لا أدّعي أنني أملك جميع الإجابات، ولا أن تجربتي هي النموذج الأمثل، لكنني أؤمن أن لكل معلم قصة تستحق أن تُروى، ولكل موقف داخل الصف درسًا قد يتجاوز حدود المنهج. وما سأكتبه هنا ليس إلا همسات خرجت من قلب التجربة، علّها تفتح بابًا للتأمل، أو تمنح فكرة جديدة، أو تذكّر بأن التعليم لا يُقاس بما نلقنه من معلومات، بل بما نتركه من أثر في النفوس . ستجدني أتحدث عن المعلم قبل أن يكون معلمًا، وعن الطالب قبل أن يكون رقمًا في سجل الدرجات، وعن مواقف يومية قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طياتها دروسًا لا تُدرَّس في الكتب. سأكتب عن الشغف، والصدق، والاحتواء، وإدارة الصف، والتحدي...

اخلق شغفك

 


كثيرًا ما نسمع من يقول:" التعليم ليس شغفي."  وربما يكون هذا صحيحًا بالنسبة للبعض. فليس كل من أصبح معلمًا كان يحلم منذ طفولته بالوقوف أمام السبورة، وليس كل من التحق بكلية التربية فعل ذلك حبًا في التدريس.

قد تكون ظروف الحياة هي من قادتك إلى هذا الطريق. ربما كان مجموعك في الثانوية هو من رسم ملامح تخصصك، وربما وجدت في مهنة التعليم فرصة للاستقرار الوظيفي، أو لتحسين دخلك، أو لغير ذلك من الأسباب التي قد تدفع الإنسان إلى اختيار مهنة لم تكن ضمن أحلامه الأولى.

لكن، مهما كانت البداية، فإن الحقيقة لا تتغير:  التعليم رسالة، ومن اختار أن يحملها أصبح مسؤولًا عن أدائها بأفضل صورة ممكنة.

وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر كثيرًا:  كيف أُحسن أدائي في مهنة ليست شغفي؟

الإجابة ليست في انتظار أن يأتي الشغف يومًا ما، بل في أن تصنعه بنفسك.

فالشغف ليس دائمًا نقطة البداية، بل كثيرًا ما يكون ثمرة الطريق. عندما تبدأ في تطوير نفسك، وتجرب، وتنجح، وترى أثر عملك في الآخرين، يبدأ الشغف بالنمو دون أن تشعر.

ولكن كيف تصنع هذا الشغف؟

ابدأ مما تحب.

إن كنت عاشقًا للرسم، فلماذا لا تجعل رسوماتك وسيلة لتبسيط المفاهيم العلمية؟ تخيل درسًا في الأحياء تُرسم فيه أجهزة الجسم بطريقة جذابة، أو درسًا في العلوم يتحول إلى لوحة يشارك الطلاب في إكمالها. ستجد أن متعة الرسم لم تختفِ، بل أصبحت جزءًا من رسالتك التعليمية.

وإن كنت من محبي كرة القدم، فبإمكانك استثمار هذا الشغف في الصف. يمكنك تحويل المراجعة إلى منافسات جماعية، أو تقسيم الطلاب إلى فرق تتنافس بروح رياضية، فيتعلمون ويستمتعون في الوقت نفسه. هنا لا تكون قد تركت حبك لكرة القدم، بل جعلته جسرًا يصل طلابك إلى المعرفة.

ولو كنت شغوفًا بالتصوير، أو التصميم، أو البرمجة، أو صناعة المحتوى، أو حتى بالألعاب الإلكترونية، فكل واحدة من هذه المهارات يمكن أن تتحول إلى وسيلة تعليمية مميزة. فالمعلم المبدع لا يفصل بين هواياته ومهنته، بل يجعل كل موهبة يمتلكها تخدم رسالته.

عندما تفعل ذلك، ستكتشف أن التعليم لم يعد وظيفة تؤديها، بل مساحة تمارس فيها ما تحب، وتبدع فيه، وتترك من خلاله أثرًا حقيقيًا. ومع مرور الوقت، لن يكون نجاح الطلاب مجرد نتيجة لعملك، بل سيصبح جزءًا من نجاحك الشخصي، لأنك ربطت شغفك برسالتك.

إن أكثر المعلمين إلهامًا ليسوا بالضرورة أصحاب الخبرة الأطول، وإنما أولئك الذين وجدوا طريقتهم الخاصة في التعليم. لكل واحد منهم بصمة مختلفة، لأنها خرجت من شغفه هو، لا من تقليد الآخرين.

لا تنتظر أن تقع في حب التعليم حتى تبدع فيه، بل ابدأ بالإبداع بما تحب، وستجد نفسك مع الأيام قد وقعت في حب التعليم دون أن تشعر.

همسة اليوم

” لا تنتظر أن تجد شغفك اصنعه، فحين تربط ما تحب بما تقدمه للآخرين، تتحول المهنة إلى رسالة، والواجب إلى متعة، والعمل إلى أثر “