في كل مهنة هناك من يؤدي عمله، لكن في التعليم هناك من يصنع أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تنتهي الحصة وتُطوى صفحات الكتب. ومن واقع عملي معلمًا، وما مررت به من مواقف تربوية شكّلت الكثير من قناعاتي، أردت أن أخلق مساحة أهمس فيها إلى زملائي المعلمين ببعض تلك المواقف التي عشتها، والدروس التي تعلمتها منها، وأشاركهم تأملاتي وما آمنت به من قيم ومبادئ، بعيدًا عن التنظير، وبأسلوب قريب من واقع كل معلم يعيش تفاصيل هذه الرسالة يومًا بعد يوم . لا أدّعي أنني أملك جميع الإجابات، ولا أن تجربتي هي النموذج الأمثل، لكنني أؤمن أن لكل معلم قصة تستحق أن تُروى، ولكل موقف داخل الصف درسًا قد يتجاوز حدود المنهج. وما سأكتبه هنا ليس إلا همسات خرجت من قلب التجربة، علّها تفتح بابًا للتأمل، أو تمنح فكرة جديدة، أو تذكّر بأن التعليم لا يُقاس بما نلقنه من معلومات، بل بما نتركه من أثر في النفوس . ستجدني أتحدث عن المعلم قبل أن يكون معلمًا، وعن الطالب قبل أن يكون رقمًا في سجل الدرجات، وعن مواقف يومية قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طياتها دروسًا لا تُدرَّس في الكتب. سأكتب عن الشغف، والصدق، والاحتواء، وإدارة الصف، والتحدي...
عندما نتحدث عن أثر المعلم، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو أثره في طلابه. لكن مع مرور السنوات اكتشفت أن للمعلم رسالة أخرى لا تقل أهمية، وهي الأثر الذي يتركه في زملائه . فالمعلم لا يعمل وحده، بل يعيش كل يوم داخل مجتمع صغير يجمعه بمعلمين وإداريين وقادة مدرسة. وهذا المجتمع قد يكون بيئة تدفع الجميع نحو الإبداع، وقد يكون بيئة تُطفئ الحماس شيئًا فشيئًا. وهنا يأتي السؤال : أي شخص تريد أن تكون؟ لقد كتبت في مقالتي السابقة " لا تغلبن الظروف شغفك " عن أهمية أن نحافظ على شغفنا رغم الظروف، لكنني أدركت مع الوقت أن المحافظة على الشغف لا تكون جهدًا فرديًا فقط، بل مسؤولية جماعية أيضًا. فربما تكون أنت السبب في استمرار زميلك في العطاء، وربما -دون أن تشعر- تكون سببًا في فقدانه لحماسه . للأسف، أصبحت الشكوى لغةً يومية في كثير من غرف المعلمين. يبدأ الصباح بالحديث عن ضغط العمل، وضعف الرواتب، والقرارات، والمشكلات. ومع أن هذه التحديات حقيقية، إلا أن تكرارها طوال الوقت يخلق جوًا من الإحباط، حتى يصبح المعلم يدخل حصته وهو يحمل همومًا أكثر مما يحمل أفكارًا . منذ سنوات قررت أن أجرب شيئًا بس...