التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

همس معلم من قلب الميدان

  في كل مهنة هناك من يؤدي عمله، لكن في التعليم هناك من يصنع أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تنتهي الحصة وتُطوى صفحات الكتب. ومن واقع عملي معلمًا، وما مررت به من مواقف تربوية شكّلت الكثير من قناعاتي، أردت أن أخلق مساحة أهمس فيها إلى زملائي المعلمين ببعض تلك المواقف التي عشتها، والدروس التي تعلمتها منها، وأشاركهم تأملاتي وما آمنت به من قيم ومبادئ، بعيدًا عن التنظير، وبأسلوب قريب من واقع كل معلم يعيش تفاصيل هذه الرسالة يومًا بعد يوم . لا أدّعي أنني أملك جميع الإجابات، ولا أن تجربتي هي النموذج الأمثل، لكنني أؤمن أن لكل معلم قصة تستحق أن تُروى، ولكل موقف داخل الصف درسًا قد يتجاوز حدود المنهج. وما سأكتبه هنا ليس إلا همسات خرجت من قلب التجربة، علّها تفتح بابًا للتأمل، أو تمنح فكرة جديدة، أو تذكّر بأن التعليم لا يُقاس بما نلقنه من معلومات، بل بما نتركه من أثر في النفوس . ستجدني أتحدث عن المعلم قبل أن يكون معلمًا، وعن الطالب قبل أن يكون رقمًا في سجل الدرجات، وعن مواقف يومية قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طياتها دروسًا لا تُدرَّس في الكتب. سأكتب عن الشغف، والصدق، والاحتواء، وإدارة الصف، والتحدي...
آخر المشاركات

كن محفزًا وهالةً من الإيجابية لزملائك

    عندما نتحدث عن أثر المعلم، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو أثره في طلابه. لكن مع مرور السنوات اكتشفت أن للمعلم رسالة أخرى لا تقل أهمية، وهي الأثر الذي يتركه في زملائه . فالمعلم لا يعمل وحده، بل يعيش كل يوم داخل مجتمع صغير يجمعه بمعلمين وإداريين وقادة مدرسة. وهذا المجتمع قد يكون بيئة تدفع الجميع نحو الإبداع، وقد يكون بيئة تُطفئ الحماس شيئًا فشيئًا. وهنا يأتي السؤال : أي شخص تريد أن تكون؟ لقد كتبت في مقالتي السابقة " لا تغلبن الظروف شغفك " عن أهمية أن نحافظ على شغفنا رغم الظروف، لكنني أدركت مع الوقت أن المحافظة على الشغف لا تكون جهدًا فرديًا فقط، بل مسؤولية جماعية أيضًا. فربما تكون أنت السبب في استمرار زميلك في العطاء، وربما -دون أن تشعر- تكون سببًا في فقدانه لحماسه . للأسف، أصبحت الشكوى لغةً يومية في كثير من غرف المعلمين. يبدأ الصباح بالحديث عن ضغط العمل، وضعف الرواتب، والقرارات، والمشكلات. ومع أن هذه التحديات حقيقية، إلا أن تكرارها طوال الوقت يخلق جوًا من الإحباط، حتى يصبح المعلم يدخل حصته وهو يحمل همومًا أكثر مما يحمل أفكارًا . منذ سنوات قررت أن أجرب شيئًا بس...

لا تغلبن الظروف شغفك

  من السهل أن يكون المعلم شغوفًا عندما تكون الظروف مثالية، لكن قيمة الشغف الحقيقية تظهر عندما تصبح الظروف عكس ذلك تمامًا. فكم من معلم يدخل يومه مثقلًا بهموم لا علاقة لها بالدرس الذي سيقدمه، وكم من معلم يحمل في داخله رغبة صادقة في العطاء، لكنه يجد نفسه محاصرًا بعقبات تكاد تطفئ ذلك الحماس الذي بدأ به رحلته . قد يكون الراتب ضعيفًا، أو الموارد شحيحة، أو بيئة العمل مليئة بالتحديات. وقد تجد مديرًا لا يقدّر جهودك، أو تشعر بعدم العدالة في بعض القرارات، أو ترى من هم أقل خبرة يحصلون على امتيازات لم تحصل عليها بعد سنوات من العمل. وربما تضطر إلى تنفيذ قرارات لا تقتنع بها، لأن طبيعة العمل تفرض عليك الالتزام بتوجيهات الإدارة أو المنسق أو رئيس القسم. كل هذه المواقف مؤلمة، ولا يمكن إنكار أثرها على النفس . وما يزيد الأمر صعوبة أحيانًا هو وجود بعض الزملاء الذين ينظرون إلى كل محاولة للإبداع على أنها مضيعة للوقت. تسمع عبارات مثل : " لماذا تتعب نفسك؟ " أو " لا أحد سيقدّر ما تفعله ." أو " الطالب لا يستحق كل هذا الجهد، ادخل حصتك واخرج، وخذ راتبك وانتهى الأمر ." ومع كثرة ت...

أعطهم أدوارهم واهتماماتهم

  من أجمل الدروس التي تعلمتها في التعليم أن الطالب لا يريد أن يُعامل كرقم في كشف الحضور، بل كإنسان له أحلامه واهتماماته وشخصيته الخاصة. وعندما يشعر الطالب أن معلمه يعرفه حقًا، فإنه يشعر بقيمته، ويصبح أكثر ارتباطًا بالمعلم وبالحصة، وأكثر استعدادًا للتعلم . ولهذا، في بداية كل عام دراسي، أصبحت أحرص على أن أسأل كل طالب سؤالًا بسيطًا : " ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ " قد يجيب أحدهم: طبيب، وآخر: مهندس، وثالث: طيار، ورابع: معلم، وربما لاعب كرة قدم أو مبرمج أو مصور. أسجل هذه الإجابات في دفتري، ليس لمجرد المعرفة، وإنما حتى لا أنساها، لأنها ستكون فيما بعد مفتاحًا للوصول إلى كل طالب . ومنذ ذلك اليوم، لا أناديهم بأسمائهم فقط، بل كثيرًا ما أخاطبهم بالألقاب التي يحلمون بها. فأقول : تفضل يا دكتور... ما رأيك؟ أو أجبنا يا مهندس ... أو ما رأيك يا كابتن؟ قد تبدو كلمات بسيطة، لكنها ترسم ابتسامة صادقة على وجوههم. إنك لا تناديهم بما هم عليه اليوم، بل بما يحلمون أن يكونوا عليه غدًا، وهذا يمنحهم شعورًا بأن أحلامهم محل تقدير واحترام . ولم أتوقف عند ذلك، بل بدأت أتعرف إلى اهتماماتهم أيضًا. ...

ما وراء سلوك الطالب

من أكثر الأخطاء التي قد يقع فيها المعلم أن يحكم على الطالب من خلال السلوك الذي يراه أمامه فقط. فنصف هذا الطالب بالمشاغب، وذاك بالمهمل، وآخر بالكسول أو العدواني، دون أن نتوقف لحظة لنسأل أنفسنا : ما الذي أوصل هذا الطالب إلى هذا السلوك؟ لقد علمتني سنوات عملي في التعليم أن خلف كل سلوك قصة، وخلف كل تصرف سبب، وأن الطالب لا يستيقظ صباحًا ويقرر أن يكون مصدر إزعاج لمعلمه أو لزملائه. بل إن كثيرًا من السلوكيات التي نراها ليست إلا رسائل صامتة يرسلها الطالب، يخبرنا بها أن هناك شيئًا يؤلمه، أو يفتقده، أو يعجز عن التعبير عنه بالكلمات . ولهذا أرى أن من واجب المعلم ألا يتعامل مع السلوك وحده، بل أن يبحث عما وراءه. ليس من أجل تبرير الخطأ، وإنما من أجل الوصول إلى العلاج الصحيح. فالطبيب لا يكتفي برؤية الأعراض، بل يبحث عن سبب المرض، وكذلك المعلم الحقيقي لا يكتفي بإيقاف السلوك، بل يحاول أن يفهم أسبابه . في مقالتي السابقة " الصدق " تحدثت عن أن الصدق هو الطريق إلى بناء الثقة بين المعلم وطلابه، وأن الطالب مع مرور الوقت يبدأ بالبوح لك عندما يدرك أنك صادق معه وتفي بوعودك. وفي مقال " اجعلهم ي...

اجعلهم يحبونك... وعلّمهم ما شئت

  في المقال السابق تحدثت عن الصدق ، وكيف أنه المفتاح الأول لبناء الثقة بين المعلم وطلابه. فالطالب لا يمنح ثقته من أول لقاء، وإنما يبنيها من خلال مواقف متكررة يرى فيها أن معلمه صادق في قوله وفعله . لكن الثقة وحدها لا تكفي . فبعد أن يثق بك الطالب، تأتي مرحلة أعمق وأجمل، وهي أن يحبك . وعندما يجتمع الحب مع الثقة، تصبح عملية التعليم أكثر سلاسة، وأكثر تأثيرًا، وأبعد أثرًا مما نتخيل . منذ أن دخلت ميدان التعليم، وأنا أحمل قناعة راسخة بأن التعليم الحقيقي لا يمكن أن يحدث دون أن يُبنى على الحب والرحمة. فالمعلم لا يتعامل مع كتب وأوراق، وإنما مع قلوب ومشاعر، ولكل طالب قصة لا يعرفها إلا هو . ولذلك، لا تجعل علاقتك بطلابك تبدأ مع جرس الحصة وتنتهي بخروجه. اجعلهم يشعرون أنك تراهم أشخاصًا قبل أن تراهم طلابًا . خصص وقتًا للاستماع إليهم، واسألهم عن يومهم، وعن اهتماماتهم، وعن الأشياء التي يحبونها. قد تبدو هذه الدقائق القليلة بعيدة عن المنهج، لكنها في الحقيقة تختصر عليك ساعات طويلة من الجهد داخل الصف . قد يظن البعض أن هذا الكلام مثالي أو بعيد عن الواقع، لكنه بالنسبة لي ليس فكرة قرأتها في كتاب...

الصدق اساس النجاح

  منذ الأزل، كان الصدق طريقًا إلى الثقة، والثقة طريقًا إلى الأمان، والأمان أساسًا لكل علاقة ناجحة. ولم يكن ذلك حكرًا على العلاقات الأسرية أو الاجتماعية، بل يمتد ليشمل العلاقة التي تجمع المعلم بطلابه؛ فهي علاقة لا تُبنى على المعرفة وحدها، وإنما على الثقة قبل كل شيء . قد يمتلك المعلم علمًا واسعًا، وخبرةً طويلة، وأساليب تدريس مميزة، لكن إن غاب الصدق، بقي هناك حاجز خفي بينه وبين طلابه. أما إذا كان صادقًا في قوله وفعله، فإن هذا الحاجز يذوب شيئًا فشيئًا، لتنشأ علاقة يسودها الاحترام والاطمئنان . إن الصدق يبدأ أولًا مع النفس، ثم ينعكس على التعامل مع الزملاء والإدارة والطلاب. ولكن إذا كان هناك جانب يستحق عناية خاصة، فهو الصدق مع الطالب؛ لأن الطالب يراقب معلمه أكثر مما يستمع إلى كلماته. فهو لا يحكم على المعلم من درس واحد، ولا من موقف واحد، بل يجمع المواقف الصغيرة، ويبني منها صورة كاملة . ولذلك، لا تتوقع أن يثق بك الطالب منذ اللقاء الأول. فالثقة لا تُمنح، بل تُبنى، وحجرها الأول هو الصدق . عندما تعد طلابك بشيء، احرص على الوفاء به. فإذا قلت لهم : " سأعيد لكم التصحيح غدًا " ، فأع...

اخلق شغفك

  كثيرًا ما نسمع من يقول: " التعليم ليس شغفي ."   وربما يكون هذا صحيحًا بالنسبة للبعض. فليس كل من أصبح معلمًا كان يحلم منذ طفولته بالوقوف أمام السبورة، وليس كل من التحق بكلية التربية فعل ذلك حبًا في التدريس . قد تكون ظروف الحياة هي من قادتك إلى هذا الطريق. ربما كان مجموعك في الثانوية هو من رسم ملامح تخصصك، وربما وجدت في مهنة التعليم فرصة للاستقرار الوظيفي، أو لتحسين دخلك، أو لغير ذلك من الأسباب التي قد تدفع الإنسان إلى اختيار مهنة لم تكن ضمن أحلامه الأولى . لكن، مهما كانت البداية، فإن الحقيقة لا تتغير :   التعليم رسالة، ومن اختار أن يحملها أصبح مسؤولًا عن أدائها بأفضل صورة ممكنة . وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر كثيرًا :   كيف أُحسن أدائي في مهنة ليست شغفي؟ الإجابة ليست في انتظار أن يأتي الشغف يومًا ما، بل في أن تصنعه بنفسك . فالشغف ليس دائمًا نقطة البداية، بل كثيرًا ما يكون ثمرة الطريق. عندما تبدأ في تطوير نفسك، وتجرب، وتنجح، وترى أثر عملك في الآخرين، يبدأ الشغف بالنمو دون أن تشعر . ولكن كيف تصنع هذا الشغف؟ ابدأ مما تحب . إن كنت عاشقًا للرسم، فلماذا ...