التخطي إلى المحتوى الرئيسي

همس معلم من قلب الميدان

  في كل مهنة هناك من يؤدي عمله، لكن في التعليم هناك من يصنع أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تنتهي الحصة وتُطوى صفحات الكتب. ومن واقع عملي معلمًا، وما مررت به من مواقف تربوية شكّلت الكثير من قناعاتي، أردت أن أخلق مساحة أهمس فيها إلى زملائي المعلمين ببعض تلك المواقف التي عشتها، والدروس التي تعلمتها منها، وأشاركهم تأملاتي وما آمنت به من قيم ومبادئ، بعيدًا عن التنظير، وبأسلوب قريب من واقع كل معلم يعيش تفاصيل هذه الرسالة يومًا بعد يوم . لا أدّعي أنني أملك جميع الإجابات، ولا أن تجربتي هي النموذج الأمثل، لكنني أؤمن أن لكل معلم قصة تستحق أن تُروى، ولكل موقف داخل الصف درسًا قد يتجاوز حدود المنهج. وما سأكتبه هنا ليس إلا همسات خرجت من قلب التجربة، علّها تفتح بابًا للتأمل، أو تمنح فكرة جديدة، أو تذكّر بأن التعليم لا يُقاس بما نلقنه من معلومات، بل بما نتركه من أثر في النفوس . ستجدني أتحدث عن المعلم قبل أن يكون معلمًا، وعن الطالب قبل أن يكون رقمًا في سجل الدرجات، وعن مواقف يومية قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طياتها دروسًا لا تُدرَّس في الكتب. سأكتب عن الشغف، والصدق، والاحتواء، وإدارة الصف، والتحدي...

أعطهم أدوارهم واهتماماتهم

 



من أجمل الدروس التي تعلمتها في التعليم أن الطالب لا يريد أن يُعامل كرقم في كشف الحضور، بل كإنسان له أحلامه واهتماماته وشخصيته الخاصة. وعندما يشعر الطالب أن معلمه يعرفه حقًا، فإنه يشعر بقيمته، ويصبح أكثر ارتباطًا بالمعلم وبالحصة، وأكثر استعدادًا للتعلم.

ولهذا، في بداية كل عام دراسي، أصبحت أحرص على أن أسأل كل طالب سؤالًا بسيطًا: "ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟" قد يجيب أحدهم: طبيب، وآخر: مهندس، وثالث: طيار، ورابع: معلم، وربما لاعب كرة قدم أو مبرمج أو مصور. أسجل هذه الإجابات في دفتري، ليس لمجرد المعرفة، وإنما حتى لا أنساها، لأنها ستكون فيما بعد مفتاحًا للوصول إلى كل طالب.

ومنذ ذلك اليوم، لا أناديهم بأسمائهم فقط، بل كثيرًا ما أخاطبهم بالألقاب التي يحلمون بها. فأقول: تفضل يا دكتور... ما رأيك؟ أو أجبنا يا مهندس... أو ما رأيك يا كابتن؟ قد تبدو كلمات بسيطة، لكنها ترسم ابتسامة صادقة على وجوههم. إنك لا تناديهم بما هم عليه اليوم، بل بما يحلمون أن يكونوا عليه غدًا، وهذا يمنحهم شعورًا بأن أحلامهم محل تقدير واحترام.

ولم أتوقف عند ذلك، بل بدأت أتعرف إلى اهتماماتهم أيضًا. فمنهم من يعشق كرة القدم، ومنهم من يقضي وقته في الرسم، وآخر يهوى البرمجة أو الألعاب الإلكترونية أو التصوير أو القراءة. وعندما أصبحت أعرف اهتماماتهم، اكتشفت أن الدرس نفسه يمكن أن يصل إلى كل طالب بطريقة مختلفة.

فإذا كنت أشرح درسًا في العلوم، وأردت أن أطرح سؤالًا، فإنني لا أكرر السؤال نفسه للجميع بالطريقة ذاتها، بل أربطه باهتمام كل طالب. فإن كان أحدهم يحب كرة القدم، أسأله: لو كان جسم الإنسان فريقًا لكرة القدم، فما وظيفة القلب داخل هذا الفريق؟ وإن كان آخر يعشق الرسم، أطلب منه أن يتخيل المفهوم الذي نشرحه في صورة أو لوحة. أما الطالب المهتم بالحاسوب، فأدعوه إلى التفكير في الدرس كما لو كان برنامجًا أو نظامًا مترابطًا. الفكرة واحدة، لكن الطريق إليها يختلف من طالب إلى آخر.

ومن أجمل النتائج التي رأيتها أن الطلاب بدأوا يشعرون بأن الدروس تتحدث عنهم، لا عن معلومات بعيدة عن حياتهم. وأصبحوا ينتظرون السؤال الذي يرتبط باهتماماتهم، لأنهم يشعرون أن معلمهم يعرفهم ويقدّر ما يحبونه.

وينطبق الأمر نفسه على الأنشطة الصفية. فلم أعد أكلّف جميع الطلاب بالنشاط نفسه بالطريقة نفسها. فمن يحب التصميم قد أطلب منه إعداد ملصق، ومن يحب الكتابة أطلب منه كتابة قصة قصيرة، ومن يعشق الإلقاء أطلب منه تقديم فكرة أمام زملائه، ومن يميل إلى العمل اليدوي أكلّفه بإعداد نموذج بسيط. جميعهم يحققون الهدف التعليمي نفسه، لكن كل واحد يسلك الطريق الذي يناسب ميوله وقدراته.

وأقول هذا من واقع تجربة، وليس من باب التنظير. لقد رأيت كيف يتغير الطالب عندما يشعر أن معلمه يعرفه أكثر من مجرد اسمه، ويعرف ما يحب، وما يحلم، وما يبرع فيه. حينها لا يصبح الصف مكانًا لتلقي المعلومات فقط، بل بيئة يشعر فيها الطالب بأنه مرئي، ومسموع، ومقدَّر.

ولعل هذه الفكرة امتداد طبيعي لما تحدثت عنه في مقالاتي السابقة. فالصدق يبني الثقة، والمحبة تفتح القلوب، وفهم الطالب يكشف ما وراء سلوكه، أما معرفة أحلامه واهتماماته فتمكنك من الوصول إلى قلبه وعقله في آن واحد. وكل مبدأ منها يكمل الآخر، حتى تتحول العلاقة بين المعلم وطلابه إلى علاقة إنسانية قبل أن تكون علاقة تعليمية.

في النهاية، تذكر أن الطالب قد ينسى كثيرًا مما شرحت له، لكنه لن ينسى المعلم الذي آمن بحلمه، وناداه يومًا بلقب المهنة التي كان يحلم بها، وجعل من اهتماماته جسرًا يقوده إلى التعلم.

همسة اليوم

"عندما تنادي الطالب بما يحلم أن يكون، فأنت لا تخاطب حاضره فقط، بل تزرع في داخله إيمانًا بأن حلمه يستحق أن يُحقَّق."