في المقال السابق تحدثت عن الصدق،
وكيف أنه المفتاح الأول لبناء الثقة بين المعلم وطلابه. فالطالب لا يمنح ثقته من
أول لقاء، وإنما يبنيها من خلال مواقف متكررة يرى فيها أن معلمه صادق في قوله
وفعله.
لكن الثقة وحدها لا تكفي.
فبعد أن يثق بك الطالب، تأتي مرحلة
أعمق وأجمل، وهي أن يحبك. وعندما يجتمع الحب مع الثقة، تصبح عملية التعليم
أكثر سلاسة، وأكثر تأثيرًا، وأبعد أثرًا مما نتخيل.
منذ أن دخلت ميدان التعليم، وأنا
أحمل قناعة راسخة بأن التعليم الحقيقي لا يمكن أن يحدث دون أن يُبنى على الحب
والرحمة. فالمعلم لا يتعامل مع كتب وأوراق، وإنما مع قلوب ومشاعر، ولكل طالب قصة
لا يعرفها إلا هو.
ولذلك، لا تجعل علاقتك بطلابك تبدأ
مع جرس الحصة وتنتهي بخروجه. اجعلهم يشعرون أنك تراهم أشخاصًا قبل أن تراهم طلابًا.
خصص وقتًا للاستماع إليهم، واسألهم
عن يومهم، وعن اهتماماتهم، وعن الأشياء التي يحبونها. قد تبدو هذه الدقائق القليلة
بعيدة عن المنهج، لكنها في الحقيقة تختصر عليك ساعات طويلة من الجهد داخل الصف.
قد يظن البعض أن هذا الكلام مثالي أو
بعيد عن الواقع، لكنه بالنسبة لي ليس فكرة قرأتها في كتاب، وإنما تجربة عشتها
عامًا بعد عام. رأيت كيف يمكن لكلمة طيبة، أو حديث عابر في الفسحة، أو اهتمام صادق
بأحد الطلاب، أن يغيّر العلاقة بالكامل.
عندما يحبك الطلاب، لن يطيعوك خوفًا
من العقاب، بل احترامًا لك. وستجدهم يقبلون على حصتك بحماس، ويتفاعلون مع أنشطتك،
بل وربما ينفذون أعمالًا ومشروعات تخص مادتك خارج أوقات الدوام، لأنهم أصبحوا يرون
نجاح المادة جزءًا من نجاح العلاقة التي تربطهم بمعلمهم.
لقد مررت بمواقف كثيرة وجدت فيها
طلابًا يبادرون إلى تنفيذ أنشطة إضافية، أو البحث عن معلومات جديدة، أو إعداد
وسائل تعليمية دون أن أطلب منهم ذلك. لم يكن السبب سهولة المادة، وإنما شعورهم
بأنهم يعملون مع شخص يحبهم ويقدّر جهودهم.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية.
فعندما يشعر الطالب بالأمان مع
معلمه، يبدأ في كشف جزء من عالمه الداخلي. يخبرك عن مشكلاته، وعن مخاوفه، وعن
الضغوط التي يعيشها، وعن الأشياء التي يحبها أو يكرهها. وحين تصل إلى هذه المرحلة،
ستدرك أن كثيرًا من السلوكيات التي كانت تبدو غامضة أصبحت مفهومة.
قد تكتشف أن طالبًا كثير الشرود يعيش
ظروفًا أسرية صعبة، أو أن آخر يرفض المشاركة لأنه يخشى السخرية، أو أن طالبًا
مشاغبًا لا يبحث إلا عن الاهتمام. هذه التفاصيل لا تظهر في سجل الدرجات، لكنها
تظهر عندما تبني علاقة إنسانية صادقة.
وكلما عرفت طلابك أكثر، أصبح من
الأسهل أن تختار الطريقة المناسبة لتعليمهم. ستعرف متى تمزح، ومتى تحفز، ومتى
تصمت، ومتى تتدخل. فالتدريس ليس خطة واحدة تناسب الجميع، بل فن يعتمد على فهم من
أمامك قبل أن تبدأ في تعليمه.
ومن أجمل العادات التي أنصح بها كل
معلم ألا يحصر وجوده داخل الصف فقط. اقتطع جزءًا من وقت فراغك، وانزل إلى ساحة
المدرسة في وقت الفسحة، وتمشَّ مع طلابك، وتحدث معهم حديثًا عفويًا بعيدًا عن
الاختبارات والواجبات.
ستندهش من حجم الأثر الذي تصنعه تلك
الدقائق.
هناك، بعيدًا عن مقاعد الدراسة،
ستتعرف إلى شخصياتهم الحقيقية، وسترى جانبًا مختلفًا منهم، وسيشعرون هم أيضًا أنك
قريب منهم، لا مجرد معلم يقف أمام السبورة.
ولا يعني ذلك أن تتحول العلاقة إلى
صداقة تُفقد المعلم هيبته، فهناك فرق كبير بين القرب وبين إلغاء الحدود التربوية.
يستطيع المعلم أن يكون قريبًا من طلابه، رحيمًا بهم، مستمعًا لهم، وفي الوقت نفسه
يحافظ على مكانته واحترامه داخل الصف. بل إن هذا النوع من الاحترام هو الأكثر
رسوخًا؛ لأنه ينبع من المحبة، لا من الخوف.
إن القلوب إذا أحبت، أصغت. وإذا
أصغت، تعلمت. ولهذا أؤمن دائمًا بأن المعلم الذي يكسب قلوب طلابه، يكسب عقولهم
أيضًا.
همسة اليوم
"إذا دخلت إلى عقل الطالب بالمعلومة فقد يتذكرها أيامًا، أما إذا دخلت
إلى قلبه بالمحبة، فسيفتح لك عقله وقلبه معًا."
