التخطي إلى المحتوى الرئيسي

همس معلم من قلب الميدان

  في كل مهنة هناك من يؤدي عمله، لكن في التعليم هناك من يصنع أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تنتهي الحصة وتُطوى صفحات الكتب. ومن واقع عملي معلمًا، وما مررت به من مواقف تربوية شكّلت الكثير من قناعاتي، أردت أن أخلق مساحة أهمس فيها إلى زملائي المعلمين ببعض تلك المواقف التي عشتها، والدروس التي تعلمتها منها، وأشاركهم تأملاتي وما آمنت به من قيم ومبادئ، بعيدًا عن التنظير، وبأسلوب قريب من واقع كل معلم يعيش تفاصيل هذه الرسالة يومًا بعد يوم . لا أدّعي أنني أملك جميع الإجابات، ولا أن تجربتي هي النموذج الأمثل، لكنني أؤمن أن لكل معلم قصة تستحق أن تُروى، ولكل موقف داخل الصف درسًا قد يتجاوز حدود المنهج. وما سأكتبه هنا ليس إلا همسات خرجت من قلب التجربة، علّها تفتح بابًا للتأمل، أو تمنح فكرة جديدة، أو تذكّر بأن التعليم لا يُقاس بما نلقنه من معلومات، بل بما نتركه من أثر في النفوس . ستجدني أتحدث عن المعلم قبل أن يكون معلمًا، وعن الطالب قبل أن يكون رقمًا في سجل الدرجات، وعن مواقف يومية قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طياتها دروسًا لا تُدرَّس في الكتب. سأكتب عن الشغف، والصدق، والاحتواء، وإدارة الصف، والتحدي...

لا تغلبن الظروف شغفك

 



من السهل أن يكون المعلم شغوفًا عندما تكون الظروف مثالية، لكن قيمة الشغف الحقيقية تظهر عندما تصبح الظروف عكس ذلك تمامًا. فكم من معلم يدخل يومه مثقلًا بهموم لا علاقة لها بالدرس الذي سيقدمه، وكم من معلم يحمل في داخله رغبة صادقة في العطاء، لكنه يجد نفسه محاصرًا بعقبات تكاد تطفئ ذلك الحماس الذي بدأ به رحلته.

قد يكون الراتب ضعيفًا، أو الموارد شحيحة، أو بيئة العمل مليئة بالتحديات. وقد تجد مديرًا لا يقدّر جهودك، أو تشعر بعدم العدالة في بعض القرارات، أو ترى من هم أقل خبرة يحصلون على امتيازات لم تحصل عليها بعد سنوات من العمل. وربما تضطر إلى تنفيذ قرارات لا تقتنع بها، لأن طبيعة العمل تفرض عليك الالتزام بتوجيهات الإدارة أو المنسق أو رئيس القسم. كل هذه المواقف مؤلمة، ولا يمكن إنكار أثرها على النفس.

وما يزيد الأمر صعوبة أحيانًا هو وجود بعض الزملاء الذين ينظرون إلى كل محاولة للإبداع على أنها مضيعة للوقت. تسمع عبارات مثل: "لماذا تتعب نفسك؟" أو "لا أحد سيقدّر ما تفعله." أو "الطالب لا يستحق كل هذا الجهد، ادخل حصتك واخرج، وخذ راتبك وانتهى الأمر." ومع كثرة تكرار هذه الكلمات، قد يبدأ الشغف بالتراجع شيئًا فشيئًا، ليس لأنك اقتنعت بها، بل لأن الإنسان يتأثر بمن حوله إذا لم يكن متمسكًا برسالته.

لقد مررت ببعض هذه المشاعر كما مر بها كثير من المعلمين. رأيت من يتقاضى راتبًا أعلى رغم أنه التحق بالعمل بعدي بسنوات، و في موقف اخر من المواقف التي يمر بها كثير من المعلمين أن يكون لديهم تصور مختلف عن الطريقة التي يجب أن تُنفذ بها بعض الأعمال، بينما يكون القرار النهائي بيد الإدارة أو المنسق أو رئيس القسم. وقد مررت بمواقف كثيرة كنت مقتنعًا فيها أن فكرتي ستكون أكثر فاعلية، لكنني كنت في النهاية مطالبًا بتنفيذ التوجيه الصادر. ومع مرور الوقت تعلمت أن الاختلاف في الرأي لا يعني التوقف عن الإبداع، بل يعني أن أبحث عن مساحة أطبق فيها خبرتي دون أن أخالف التعليمات.

فإذا طلبت مني الإدارة -على سبيل المثال- تنفيذ نشاط جماعي بطريقة معينة، بينما كنت أرى أن النشاط الفردي سيكون أنسب لطلابي، فإنني لا أرفض القرار ولا أدخل في صراع لا يفيد أحدًا. بل أنفذ النشاط الجماعي كما طُلب، لكنني أوزع الأدوار داخل كل مجموعة بطريقة تسمح لكل طالب أن يعمل بصورة فردية تناسب قدراته، ثم أجمع أعمالهم في المنتج النهائي للمجموعة. وبهذا أكون قد احترمت قرار الإدارة، وفي الوقت نفسه استفدت من قناعتي التربوية.

كان من السهل أن أقول: "طالما أنهم لم يأخذوا برأيي فلن أبذل جهدًا." لكنني اكتشفت أن هذا التفكير لا يعاقب الإدارة، بل يعاقب الطالب.

لقد أدركت أن الحكمة ليست دائمًا في أن تنتصر لرأيك، بل في أن تجعل رأيك يعمل داخل الإطار المتاح. فالمعلم المبدع لا ينتظر الظروف المثالية، بل يحول حتى القيود إلى فرص للإبداع.

كنت أردد بيني وبين نفسي أن الطالب الذي أمامي ليس مسؤولًا عن ضعف الراتب، ولا عن نقص الموارد، ولا عن القرارات الإدارية، ولا عن الإحباط الذي قد ينقله بعض الزملاء. فلماذا أجعله يدفع ثمن ظروف لم يكن طرفًا فيها؟ لماذا أحرمه من معلمٍ متحمس لأنه صادف أن دخل صفًا يمر معلمه بيوم صعب؟

لقد تحدثت في مقالة "اخلق شغفك" عن أن الشغف لا يُنتظر، بل يُصنع. واليوم أضيف أن الشغف لا يكفي أن تصنعه، بل عليك أن تحميه أيضًا. فهناك من سيحاول إطفاءه دون قصد، وهناك ظروف ستختبر صدق إيمانك برسالتك، لكن القرار الأخير يبقى بيدك.

وأؤمن إيمانًا عميقًا بأن الله لا يكلّف إنسانًا برسالة إلا وهو قادر على حملها. فإن كنت اليوم معلمًا، فليس ذلك مصادفة، بل لأن الله قدّر لك أن تكون سببًا في تعليم إنسان، أو تغيير حياة طالب، أو زرع قيمة تبقى سنوات طويلة بعد أن تنتهي حصتك. وربما لن ترى أثر بعض ما تقدمه اليوم، لكن الأثر لا يُقاس دائمًا بما نراه بأعيننا.

لا أطلب من المعلم أن يتجاهل المطالبة بحقه، أو أن يقبل بالظلم، أو أن يرضى بالخطأ. فمن حقه أن يسعى إلى تحسين ظروفه، وأن يطالب بالعدل، وأن يعبر عن رأيه باحترام. لكن في الوقت نفسه، لا تجعل هذه الظروف تسلب منك أجمل ما فيك. لا تسمح لها أن تحول التعليم من رسالة تؤديها بقلبك إلى عمل تؤديه بجسدك فقط.

في النهاية، سيبقى ما يميز المعلم الحقيقي ليس حجم راتبه، ولا عدد شهاداته، ولا منصبه الإداري، بل عدد القلوب التي استطاع أن يترك فيها أثرًا طيبًا رغم كل ما واجهه من صعوبات. فالظروف قد تؤخر نجاحك، وقد ترهقك، لكنها لا تستطيع أن تهزم شغفك إلا إذا سلمتها هذا الحق بنفسك.

همسة اليوم

"قد لا تختار الظروف التي تعمل فيها، لكنك تختار كل يوم الشغف الذي تدخل به إلى طلابك... فلا تمنح الظروف حق إطفاء نورٍ جعلك الله سببًا في إشعاله"