عندما نتحدث عن أثر المعلم، فإن أول
ما يتبادر إلى الأذهان هو أثره في طلابه. لكن مع مرور السنوات اكتشفت أن للمعلم
رسالة أخرى لا تقل أهمية، وهي الأثر الذي يتركه في زملائه.
فالمعلم لا يعمل وحده، بل يعيش كل
يوم داخل مجتمع صغير يجمعه بمعلمين وإداريين وقادة مدرسة. وهذا المجتمع قد يكون
بيئة تدفع الجميع نحو الإبداع، وقد يكون بيئة تُطفئ الحماس شيئًا فشيئًا. وهنا
يأتي السؤال: أي شخص تريد أن تكون؟
لقد كتبت في مقالتي السابقة "لا تغلبن
الظروف شغفك" عن أهمية
أن نحافظ على شغفنا رغم الظروف، لكنني أدركت مع الوقت أن المحافظة على الشغف لا
تكون جهدًا فرديًا فقط، بل مسؤولية جماعية أيضًا. فربما تكون أنت السبب في استمرار
زميلك في العطاء، وربما -دون أن تشعر- تكون سببًا في فقدانه لحماسه.
للأسف، أصبحت الشكوى لغةً يومية في
كثير من غرف المعلمين. يبدأ الصباح بالحديث عن ضغط العمل، وضعف الرواتب،
والقرارات، والمشكلات. ومع أن هذه التحديات حقيقية، إلا أن تكرارها طوال الوقت
يخلق جوًا من الإحباط، حتى يصبح المعلم يدخل حصته وهو يحمل همومًا أكثر مما يحمل
أفكارًا.
منذ سنوات قررت أن أجرب شيئًا
بسيطًا، لكنه أحدث أثرًا كبيرًا.
كنت أشتري بين الحين والآخر بعض قطع
الحلوى، أو أكواب النسكافيه، وأرفق بكل واحدة قصاصة صغيرة كتبت عليها عبارة قصيرة
بخط يدي.
مرة كتبت:
"وجودك يصنع فرقًا أكثر مما تتخيل."
ومرة أخرى:
"قد يكون طالب اليوم هو من سيدعو لك بعد سنوات."
وأخرى:
"لا تسمح ليومٍ صعب أن يسرق منك شغفك."
ثم أضعها على مكتب أحد الزملاء قبل
حضوره، أو أقدمها له مع ابتسامة صباحية دون مناسبة، ودون انتظار كلمة شكر.
قد يظن البعض أن مثل هذه الأمور
بسيطة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك. فكلمة صادقة في الوقت المناسب قد تغير مزاج
إنسان طوال يومه، وربما تعيد إليه حماسًا كان على وشك أن يفقده.
وتعلمت أيضًا أن التشجيع لا يكون
بالهدايا فقط، بل بالمواقف اليومية. عندما ترى زميلًا قدم فكرة جميلة، أخبره بذلك.
وعندما ينجح نشاط نفذه، امدحه أمام الآخرين. وإذا كان في المدرسة معلم جديد،
فاقترب منه قبل أن يطلب المساعدة، وشاركه خبرتك، وطمئنه أن البدايات الصعبة تمر
على الجميع.
لقد رأيت معلمين تغير أداؤهم لأن
أحدًا آمن بهم في بداية الطريق، ورأيت آخرين انطفأ حماسهم لأنهم لم يجدوا من
يسمعهم أو يشجعهم.
وأحرص دائمًا على ألا أكون الشخص
الذي يقتل الأفكار قبل أن تولد. فإذا جاءني زميل متحمس لفكرة جديدة، لا أستقبله
بعبارات مثل: "لن تنجح" أو "جربناها
من قبل" أو "لا أحد سيقدر تعبك." بل أحاول أن أساعده على تطوير فكرته، حتى وإن كنت
أرى أنها تحتاج إلى تعديل. فكم من فكرة صغيرة أصبحت مشروعًا ناجحًا لأنها وجدت من
يشجعها بدل أن يسخر منها.
الإيجابية ليست أن نتجاهل المشكلات،
ولا أن نتظاهر بأن كل شيء جميل، بل أن نكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من الإحباط.
وأن يدرك كل واحد منا أن الكلمة التي يقولها في غرفة المعلمين قد تنتقل من زميل
إلى آخر، ثم من معلم إلى طالب، حتى تؤثر في بيئة المدرسة بأكملها.
في النهاية، سيظل الطلاب يتذكرون
معلميهم، لكن المعلمين أيضًا يتذكرون الزميل الذي كان حضوره يبعث الطمأنينة،
وكلماته ترفع المعنويات، وابتسامته تجعل يوم العمل أخف.
فاختر أن تكون ذلك الشخص لأن نشر
الإيجابية لا يحتاج إلى منصب، ولا إلى ميزانية، بل يحتاج إلى قلب يؤمن أن أجمل أثر
يمكن أن يتركه الإنسان هو أن يمنح غيره الأمل.
همسة اليوم
"قد لا تملك أن تغيّر جميع ظروف العمل، لكنك تملك أن تكون أجمل ما
فيها... فابتسامة صادقة، وكلمة طيبة، ورسالة صغيرة قد تعيد إلى زميلك شغفًا كاد أن
ينطفئ"
